محمد بن زكريا الرازي
17
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
منه ويعدم الدم حمرة اللون وإشراقه والاستمراء وتولد الدم وقبول الدم للغذاء والشهوة والحركة والجس وكل ذلك في الشيخ ضعيف ليس يتم على ما ينبغي وبالجملة فليس الشيخوخة شيئا غير السلوك في طريق الموت وإذا كان الموت هو انطفأ الحرارة الغريزية وكانت الشيخوخة هي ذبول الحرارة وخمودها . فالشيخوخة طريق الموت على ما ذكرناه . وقد زعم قوم أن حرارة الطفل دون حرارة المتناهي الشباب وإنما ذلك من قبل أن مجسّة الطفل لذيذة لرطوبتها ومجسّة المتناهي الشباب غير لذيذة لما فيها من اليبوسة وإلا فإن لم تكن حرارة الطفل أكثر من حرارة المتناهي الشباب فليست بدونها البتة . [ 5 - [ والمزاج ] ] 5 - [ والمزاج ] صنفان أحدهما كليّ وهو مزاج البدن كله والآخر جزئيّ وهو مزاج كل واحد من الأعضاء في خاصة نفسه وقد يكون مزاج عضو من البدن معتدلا ولا مزاج عضو آخر غير معتدل . فيجب أن يعتبر كل عضو من البدن بما هو عليه دون غيره وقد يمكنك أن تتعرف وجه الاعتدال الحقيقي في الحس بأن تمزج ما حارا في غايته ما يمكن من الحرارة بما بارد في غايته ما يمكن من البرودة فإذا بعد الجميع عن الطرفين بعدا مستويا فذلك هو المعتدل بالحقيقة في الحر والبرد . وما مال إلى إحدى الجهتين ينسب إلى الجهة التي مال إليها بقدر ميله وكذلك تمزج ما في غاية ما يكون من الرطوبة بقدر الإمكان مع تراب في غاية ما يمكن من اليبوسة . فإذا بعد الجميع عن الطرفين بعدا متساويا فذلك هو المعتدل بالحقيقة في اليبس والرطوبة وما تكافأت فيه هذه الأمزجة على ما بيّناه فإنه معتدل في جملته على حقيقة ما ينسب الاعتدال المحسوس إليه . 6 - [ فأما الاعتدال الفكريّ ] فهو أمر لا يمكن معرفته وهذا موضع قد وقع فيه لبعض الناس شك في أمره فقال : « إذا كان لا يمكن معرفة الاعتدال وكان البدن أيضا لا يقف دون أن ينحل دائما بحرارته الغريزية . والهواء الذي يصادمه من خارجه وكان يقبل الذبول عن